وهبة الزحيلي
73
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ أي حتى إذا أوقعنا مترفيهم ( وهم المتنعمون البطرون في الدنيا ) في العذاب الشديد والبأس والنقمة بهم ، صرخوا واستغاثوا ، كما قال تعالى : وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ، وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا ، إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً [ المزمل 73 / 11 - 12 ] وقال سبحانه : كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ ، فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ [ ص 38 / 3 ] . لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ ، إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ أي لا فائدة ولا جدوى من الصراخ ، فلا يدفع عنكم ما يراد إنزاله بكم ، وقد لزم الأمر ووجب العذاب ، ولن تجدوا ناصرا ينصركم ، ويحول بينكم وبين العقاب الأليم . وأسباب حجب نصر اللّه لهم وإيقاع هذا الجزاء ثلاثة هي : 1 - قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ ، فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ أي إنه متى تليت عليكم آيات القرآن نفرتم منها وأعرضتم عن سماعها وعمن يتلوها ، كما يذهب الناكص ( الراجع ) على عقبيه ، بالرجوع إلى ورائه . والمراد : أنهم يعرضون عن الحق ، فإذا دعوا أبوا ، وإن طلبوا امتنعوا . 2 - مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ أي إنهم حال نكوصهم عن الحق وإبائهم إياه يكونون مستكبرين استكبارا عليه ( أي على الحق ) واحتقارا له ولأهله . وضمير بِهِ عائد إلى البيت العتيق أو الحرم ، فإنهم كانوا يفتخرون به ويعتقدون أنهم أولياؤه ، وليسوا به ، أو أنه عائد إلى القرآن أو إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فإنهم كانوا يصفون القرآن بأنه سحر أو شعر أو كهانة ، ويقولون عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : إنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو كذاب أو مجنون ، وكل ذلك باطل ، فالقرآن حق ، ومحمد نبي الحق ، وليس الاستكبار من الحق . 3 - سامِراً تَهْجُرُونَ أي سمّارا حول البيت ، تتركون القرآن ، أو تأتون